عرض مشاركة واحدة
قديم 23-05-2014   رقم المشاركة : 1 (permalink)
مجلس الاداره





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :الذيب غير متواجد حالياً
افتراضي التجارت التي لن تبور

إنَّ اﻹ‌نسان خُلِق محبًّا للخير المادِّي بطبعه، ميَّاﻻ‌ً لتحصيل مصالحه ومنافعه العاجلة قال الله - عزَّ وجلَّ -:﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ اﻵ‌خِرَةَ﴾*[القيامة:20-21]، وقال تعالى:*﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾*[العاديات:8]*، وقال تعالى:*﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾*[الفجر:20]*بهذا الوصف وصف الله شدَّة حبِّ اﻹ‌نسان لهذا المال، بل إنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:*«لَو كَانَ ﻻ‌بنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ ﻻ‌َبْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَﻻ‌َ يَمْﻸ‌ُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِﻻ‌َّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ»*رواه البخاري (6436) ومسلم (1048).وحتَّى يتميَّز أهل التَّقوى واﻹ‌يمان عن غيرهم من أصحاب اﻷ‌هواء أو عبَّاد المال، فإنَّ الله رغَّبهم في أفضل المكاسب وأعظم التِّجارات الَّتي ضمن ﻷ‌صحابها الرِّبح الدَّائم والمضمون، والَّتي تنجيهم من العذاب وترفع درجتهم عند العزيز الوهَّاب.قال تعالى:*﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾*[الصف:10-11].وعن سعيد بن جبير قال: لمَّا نزلت هذه اﻵ‌ية قال المسلمون: «لو علمنا ما هذه التِّجارة، ﻷ‌عطينا فيها اﻷ‌موال واﻷ‌هلين، فبيَّن لهم التِّجارة، فقال: تؤمنون بالله ورسوله...»(1).وعن قتادة قال: فلوﻻ‌ أنَّ الله بيَّنها ودلَّ عليها للهف الرِّجال أن يكونوا يعلمونها حتَّى يطلبوها ثمَّ دلَّهم الله عليها فقال:*﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾*اﻵ‌ية(2).فإنَّ الله بمنِّه وكرمه دلَّ عباده على أربح تجارةٍ وأزكاها وأفضل صفقة وأعﻼ‌ها، وهي التِّجارة الَّتي وصفها المولى - عزَّ وجلَّ - بعدم البوار فقال:*﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّﻼ‌َةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَﻼ‌َنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾[فاطر:29].هذه اﻵ‌ية المباركة جاءت ترغيبًا في عبادات جليلة، تحقيقها فوزٌ بهذه التِّجارة، وقد جاء في اﻵ‌ية لفظ «تجارة» مع وصفها بعدم البوار على سبيل اﻻ‌ستعارة التَّصريحيَّة فوصف أهلها بأنَّهم يرجونها، أي: يتوقَّعون أرباحها العظيمة.والفرق بين التَّرجِّي واﻻ‌نتظار «أنَّ التَّرجِّي للخير خاصَّة واﻻ‌نتظار قد يكون في الخير والشَّرِّ، ويدلُّ عليه قوله تعالى:*﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾*[اﻷ‌نعام:158]*وقوله:*﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾*[فاطر:29]وقوله:*﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾*[البقرة:218]*ونحوها»(3).وإذا كان الرَّجاء متعلِّقًا بأمرٍ مستقبليٍّ متوقَّعٍ فإنَّ سياق اﻵ‌يات يدلُّ على أنَّ هذا الرَّجاء تحقَّق لمن حقَّق شروطه، بدليل قوله تعالى بعد ذلك:*﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾*[فاطر:30] واختار الله لفظ «تجارة» دون غيرها من حركات الحياة كلِّها؛ ﻷ‌نَّها تمثِّل جماع كلِّ حركات الحياة، فهذا يتحرَّك في ميدان لينفع نفسه وغيره، وغيره يعمل في ميدانٍ آخر فينفع نفسه وغيره، وهي أيضًا تحمل على الوساطة بين ما يعرف بالمنتفع والمستهلك، ولذلك حين أراد الله تعالى أن نستجيب ﻷ‌ذان الجمعة قال:*﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّﻼ‌َةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾*[الجمعة:9]، ولم يقل اتركوا الزِّراعة أو الصِّناعة أو التَّدريس مع أنَّها داخلة في عموم اﻷ‌مر بالتَّرك، بل اختار من كافَّة حركات الحياة الكسبيَّة حركة البيع؛ ﻷ‌نَّه أفضل ما في التِّجارة، وهي الجامعة لكلِّ حركات الحياة، وإذا كانت التِّجارة في معناها اللُّغوي والعرفي تتعلَّق بأعمال البيع والشِّراء ممارسةً وامتهانًا أو هي تلك الصَّفقات الَّتي يسعى أصحابها أن تكون مربحةً، إﻻ‌َّ أنَّ معناها في اﻵ‌ية متعلِّقٌ بصفقةٍ أعظم وأفضل هي صفقة اﻹ‌يمان الَّتي تأخذ منها أكثر من رأس مالك، وتربح الشَّيء الكثير بخﻼ‌ف ما لو تركت بعضًا من دينك فإنَّك تخسر بمقدار ما تركت، لذلك يقول الحقُّ سبحانه عن الصَّفقات الخاسرة:*﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّﻼ‌َلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾*[البقرة:16].فالحرص كلَّ الحرص إذًا على تحقيق الصَّفقة الَّتي يكون ربحها مضمونًا ودائمًا، وأيُّ ضمانٍ أوثق وأصدق من ضمانه جلَّ وعﻼ‌ الَّذي ضمن عدم بوارها فهي*﴿لَنْ تَبُورَ﴾*أي: لن تكسد ولن تتعطَّل ولن تخسر وتهلك، فما هي إذًا أعمال هذه الصَّفقة المربحة والتِّجارة المباركة؟قال تعالى:*﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾*[فاطر:29]،هي إذًا تﻼ‌وة كتاب الله، وإقام الصَّﻼ‌ة، واﻹ‌نفاق في سبيل الله سرًّا وعﻼ‌نية.فأوَّل هذه اﻷ‌عمال هي تﻼ‌وة كتاب الله، لهذا كان مطرِّف ابن عبد الله يقول: «هذه آية القرَّاء»(4).وقال البيضاوي - رحمه الله - في قوله تعالى:*﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾: «يداومون على قراءته أو متابعة ما فيه حتَّى صارت سمةً لهم وعنوانًا، والمراد بكتاب الله: القرآن أو جنس كتب الله فيكون ثناءً على المصدِّقين من اﻷ‌مم».وقال السَّعدي: «أي يتَّبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي أخباره فيصدِّقونها ويعتقدونها، وﻻ‌ يقدِّمون عليه ما خالفه من اﻷ‌قوال، ويتلون أيضًا ألفاظه بدراسته ومعانيه بتتبُّعها واستخراجها».ومن معاني الرِّبح العظيم في قراءة القرآن:أنَّ من قرأ حرفًا فله حسنةٌ والحسنة بعشر أمثالها، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:*«مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ الله فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، ﻻ‌َ أَقُولُ: ﴿ألـم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وﻻ‌َمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»(5).ومن الرِّبح الكبير والفضل العظيم عند تﻼ‌وته وقراءته: أنَّه شافعٌ لصاحبه يوم القيامة، فعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول:*«اِقْرَءُوا القُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا ﻷ‌َصْحَابِهِ، اِقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: البَقَرَةَ وَسُورَةَ آلَ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اِقْرَءُوا سُورَةَ البَقَرَةَ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَﻻ‌َ يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةٌ».قال معاوية بن سﻼ‌م: «بلغني أنَّ البطلة: السَّحرة»(6).وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:«الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ مَاحِلٌ - أي ساعٍ - مُصَدَّقٌ مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ»*(7).هذا شيءٌ يسيرٌ من عظيم فضائل القرآن وبركته على أهله وأصحابه في الدُّنيا واﻵ‌خرة.نسأله تبارك وتعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجﻼ‌ء أحزاننا وذهاب همومنا.*













التوقيع

آخر تعديل الذيب يوم 23-05-2014 في 12:58 AM.
  رد مع اقتباس